ابن خلدون
325
تاريخ ابن خلدون
ابن سمعان عشاء ذلك اليوم مستأمنا وبكروا إلى الحرب وأمر الموفق ابنه أبا العباس باحراق منازل القواد المتصلة بقصر الخبيث ليشغلهم عن حمايته وقصدت السفن المطلية قصر الخبيث فأحرقوا الرواشن والأبنية الخارجة وعلت النار فيه ورموا بالنار على السفن فلم تؤثر فيها ثم حصر الماء من النهر فزحفت السفن فلما جاء الدعاة إلى القصر أحرقوا بيوتا كانت تشرع على دجلة واشتعلت النار فيها وقويت وهرب الخبيث وأصحابه وتركوها وما فيها واستولى أصحاب الموفق على ذلك كله واستنقذوا جماعة من النساء وأحرق قصر أنكلاي ابنه وجرحا وعاد الموفق عشاء يومه مظفرا ثم بكر من الغد للقتال وأمر نصيرا قائد السفن بقصد القنطرة التي كان الخبيث عملها في نهر أبى الخصيب دون القنطرة التي كان اتخذها وفرق العسكر في الجهات فدخل نصير في أول المد ولصق بالقنطرة واتصل الشد من ورائه فلم يقدر على الرجوع حتى حسر الماء عنها وفطن لها الزنج فقصدوها فألقى الملاحون أنفسهم في الماء وألقى نصير نفسه وقاتل ابن جامع ذلك اليوم أشد قتال ثم انهزم وسقط في الحريق فاحترق ثم خلص بعد الجهد وانصرف الموفق سالما وأصابه مرض المفاصل واتصل به إلى شعبان من سنته فامسك في هذه المدة عن الحرب حتى أبلى فأعاد الخبيث القنطرة التي غرق عندها نصير وزاد فيها وأحكمها وجعل امامها سكرا من الحجارة ليضيق المدخل على السفن فبعث الموفق طائفة من شرقي نهر أبى الخصيب وطائفة من بحرية ومعهم الفعلة لقطع القنطرة وجعل امامها سفنا مملوءة من القصب لتصيبها النار بالنفط فيحترق الجسر وفرق جنده على القتال وساروا لما أمرهم عاشر شوال وتقدموا إلى الجسر ولقيهم أنكلاي بن الخبيث وابن أبان وابن جامع وحاموا عن القنطرة لعلمهم بما في قطعها من المضرة عليهم ودامت الحرب عليها إلى العشى ثم غلبهم أصحاب الموفق عليها ونقضها النجارون ونقضوا الأثقال التي دونها وأدخلوا السفن بالقصب وأضرموها نارا ووافت القنطرة فأحرقتها ووصل النجارون بذلك إلى ما أرادوا وسهل سبيل السفن في النهر وقتل من الزنج خلق واستأمن آخرون وانتقل الخبيث بعد حرق قصوره ومساكن أصحابه إلى الجانب الشرقي من نهر أبى الخصيب ونقل أسواقه إليه وتين ضعفه فانقطعت عنه الميرة وفقدت الأقوات وغلت حتى أكل بعضهم بعضا وأجمع الموفق أن يحرق الجانب الشرقي كما أحرق الغربي فقصد دار الهمذان وكان حصينا وعليه الآلات فلما انتهى إليها تعذر الصعود لعلو السور فرموا بالكلاليب ونشبت في أعلام الخبيث وجذبوها فتساقطت فانهزم المقاتلة وصعد النفاطون فأحرقوا ما كان عليها من الآلة ونهبوا الأثاث والمتاع واتصل الحريق بما حولها من الدور واستأمن للموفق جماعة من خاصة الخبيث